مجمع البحوث الاسلامية

690

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

استخفافا ، فذلك كفر يحبط معه العمل حقيقة ، وإن كانت للمؤمن الّذي يفعله غلبة وجريا على عادته فإنّما يحبط عمله البرّ في توقير النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وغضّ الصّوت عنده إن لو فعل ذلك ، كأنّه قيل : مخافة أن تحبط الأعمال الّتي هي معدّة أن تعملوها فتؤجروا عليها . ولا يخفى ما في الشّقّ الثّاني من التّكلّف البارد ، ثمّ إنّ من الجهر ما لم يتناوله النّهي بالاتّفاق ، وهو ما كان منهم في حرب أو مجادلة معاند أو إرهاب عدوّ أو ما أشبه ذلك ، ممّا لا يتخيّل منه تأذّ أو استهانة . [ ثمّ ذكر أحاديث ] ( 26 : 136 ) الطّباطبائيّ : أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ أي لئلّا تحبط أو كراهة أن تحبط أعمالكم ، وهو متعلّق بالنّهيين جميعا ، أي إنّما نهيناكم عن رفع الصّوت فوق صوته والجهر له بالقول كجهر بعضكم لبعض لئلّا تبطل أعمالكم بذلك من حيث لا تشعرون ، فإنّ فيهما الحبط ، وقد تقدّم القول في « الحبط » في الجزء الثّاني من الكتاب . وجوّز بعضهم كون أَنْ تَحْبَطَ إلخ ، تعليلا للمنهيّ عنه وهو الرّفع والجهر ، والمعنى : فعلكم ذلك لأجل الحبوط منهيّ عنه ، والفرق بين تعليله للنّهي وتعليله للمنهيّ عنه : أنّ الفعل المنهيّ عنه معلّل على الأوّل والفعل المعلّل منهيّ عنه على الثّاني ، وفيه تكلّف ظاهر . وظاهر الآية أنّ رفع الصّوت فوق صوت النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله والجهر له بالقول معصيتان موجبتان للحبط فيكون من المعاصي غير الكفر ما يوجب الحبط . وقد توجّه الآية بأنّ المراد بالحبط فقدان نفس العمل للثّواب ، لا إبطال العمل ثواب سائر الأعمال كما في الكفر . قال في « مجمع البيان » : وقال أصحابنا : إنّ المعنى في قوله : أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ أنّه ينحبط ثواب ذلك العمل ، لأنّهم لو أوقعوه على وجه تعظيم النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وتوقيره لاستحقّوا الثّواب ، فلمّا أوقعوه على خلاف ذلك الوجه استحقّوا العقاب . وفاتهم ذلك الثّواب ، فانحبط عملهم ، فلا تعلّق لأهل الوعيد بهذه الآية . ولأنّه تعالى علّق الإحباط في هذه الآية بنفس العمل ، وهم يعلّقونه بالمستحقّ على العمل ، وذلك خلاف الظّاهر ، انتهى . وفيه : أنّ الحبط المتعلّق بالكفر الّذي لا ريب في تعلّقه بثواب الأعمال أيضا متعلّق في كلامه بنفس الأعمال ، كما في هذه الآية ، فلتحمل هذه على ما حملت عليه ذلك من غير فرق ، وكونه خلاف الظّاهر ممنوع ، فإنّ بطلان العمل بطلان أثره المترتّب عليه . وقد توجّه الآية أيضا بالبناء على اختصاص الحبط بالكفر ، بأنّ رفع الصّوت فوق صوت النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله والجهر له بالقول ليسا بمحبطين من حيث أنفسهما بل من حيث إدّائهما أحيانا إلى إيذائه صلّى اللّه عليه وآله وإيذاؤه كفر ، والكفر محبط للعمل . قال بعضهم : المراد في الآية النّهي عن رفع الصّوت مطلقا ، [ ثمّ ذكر ملخّصا ما حكاه الآلوسيّ عن ابن المنير إلى قوله : « مع أنّ الشّعور ثابت مطلقا » ثم قال : ] وفيه أنّ ظهور قوله : لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ في النّهي النّفسيّ دون النّهي المقدّميّ أخذا